فارس قديم

احلام و أوهام و أمنيات .. أليست كل المبادىء كذلك ..؟ حتى أخلاقيات الفرسان

Name:
Location: cairo, Egypt

قد أكون أكبر المدونين سنا ..ما أكتبه هنا بدأته منذ سنوات فى دفاترى .. كتبت لنفسى .. و لأولادى حين يستطيعوا استيعاب ماكتبت .. رأيت أن لامانع من نشر بعض مافى الدفاتر .. فى حريه تااااامه

Friday, September 23, 2016

حكايتى مع القرصان

 فى العام 2001 و مع بداية ظهور موجات الهجره الغير شرعيه انتابنى الفضول الشديد لفهم ما يحدث .. و لمن لا يعلم فاصول عائلتى من كفر الشيخ و الحمد لله سمعة عائلتى جيده هناك و نحوز على ثقة اهالى المحافظه بشكل مقبول .. و لأن بعض موجات الهجره انطلقت من منطقة البرلس التابعه لكفر الشيخ .. و استغلالا لوضعى الأجتماعى و وجود علاقات نسب و مصاهره بين عائلتى و بعض عائلات منطقة البرلس العريقه هناك .. قمت بالاتصال ببعض الشباب المحترمين فى البرلس ( سنة 2001 كنت لسه شباب و اصحابى شباب برضه ) و وصلت لصديق محامى من اسره عريقه فى البرلس و طلبت منه بوضوح ترتيب مقابله مع ( القرصان ) .. فالقرصان هو الأسم الذى استخدمه لوصف ريس مركب الهجره الغير شرعيه منذ بدايتها .. و للعلم .. اهل البرلس هم من أشداء اهل البحرو لهم فى الملاحه و الصيد و صناعة المراكب باع طويل و سمعه عريقه .. 
و بعد ألحاح شديد و توسط أعمام الشاب الصديق و تعهد من عمى رحمة الله عليه أن اكتم اسرار ما سوف أراه و أعلمه و أنى مجرد باحث مهتم بمعرفة احوال المحافظه للمساهمه مع أقاربى نواب الشعب وقتها لحل المشاكل .. تم ترتيب زياره للقرصان بصحبة الصديق البرلسى .. ( القرصان ) كان خمسينيا محنكا .. يحمل جواز سفر بحرى بحكم خبرته التى زادت وقت المقابله عن 30 سنه فى البحر .. يتحدث الايطاليه و اليونانيه و بعض التركيه بطلاقه .. مشهور بزيجاته المتعدده فى موانى المتوسط .. قوى الشخصيه و شجاعته باديه من الوهله الأولى .. فهمت من القرصان وقتها أن السفر على ( بلانس صيد ) هو مخاطره معتاده لبحارة البرلس و رشيد و غيرهم .. طالما مارسوها بانتظام خلال رحلاتهم للصيد او التجاره أو حتى التهريب .. بل ان سلطات بعض الموانىء الأوروبيه تنتظر وصول ( بلانسات ) المصريين لأتمام صفقات تجاره مربحه و تعامل البحاره المصريين باحترام .. لكن المشكله و الكارثه تكمن فى حمولة المركب التى أحيانا تتجاوز ثلاث او اربع اضعاف الحموله الطبيعيه المصممه عند بناء المركب من الأساس .. و تلك الحموله تتضخم الى هذا الحد الغير منطقى بسبب جشع ( اصحاب الخشب ) أى ملاك المراكب .. علما بأن تكلفة الرحله على كل فرد / مهاجر تتراوح ( وقتها ) من 10 الاف الى 15 الف جنيه مصرى يدفعون مقدما قبل ( التخزين ) و التخزين هو ( تجميع ) المسافرين فى مكان مجهول للكل .. حتى يبلغ عددهم النصاب المطلوب .. ثم يقرر ريس المركب التوقيت الدقيق للمغادره .
هنا تجرأت و طلبت مقابلة بعض ( المهاجرين ) لاتحدث معهم مباشرة .. و بعد القسم على القرآن الكريم .. و تأكيدات بميثاق غليظ أنى لن أتحدث لمخلوق عن تفاصيل ما سأراه .. وافق الريس الشجاع على اصطحابى وحدى دون صديقى البرلسى الى ( المخزن ) لمقابلة المهاجرين أياهم 
المخزن هو زريبه قديمه تم تجهيز سقفها فقط بشكل يقى من امطار الشتاء الغزيره فى المدينه الساحليه .. كل ( مهاجر ) يفترش شىء على الأرض ليستلقى عليه ( بطانيه او ملايه او حتى بعض اوراق الكرتون المقوى ) و بجوار كل منهم حقيبه صغيره ( احيانا مجرد كيس بلاستيك ) يحتوى اغراضه القليله التى سيصحبها .. الكل ينام على الأرض و يقضى حاجته فى خلاء خلف الزريبه و الشرب من اوعيه فخاريه متناثره .. و الطعام يشاركون فى شرائه / طهيه حسب ما يتيسر ... الكل فى حاله حقا بائسه .. اقل حتى من مستوى الأقامه فى السجون نفسها .. الكل لا يملك سوى الملابس التى يرتديها و لا شىء اخر يذكر ... الكل ساهم صامت .. ممنوع عليهم الخروج من المخزن / الزريبه من لحظة دخوله الى ساعة اقلاع المركب التى لن يعلمو عنها شىء الا قبلها بدقائق .. التزام تام بسريه خانقه لا تحميهم لكن فقط تحمى ريس المركب و اصحابه .. يقوم على حراستهم ( منعهم من الخروج ) حرس غلاظ الطبع و الشكل .. يحملون اسلحه ناريه ظاهره للعيان 
كان سؤالى لكل من تحدثت معهم من المهاجين هو ( لماذا تقبل هذا الوضع البائس ؟ و لم ستسافر من الأساس ؟؟ ) .. الأجابات تراوحت بين كلمات مثل ( الحال ضيق ) أو ( هناك احسن ) .. أو الرزق يحب الخفيه ... !!! الأجابات كلها لم تكن مقنعه .. و لم تضع يدى على مشكله واحده حقيقيه .. 
فهذا ورث ورشة نجاره من والده كانت تكفى لعيش عائلته بمستوى مقبول .. لكنه تعلم فى المدارس و لم يقبل أن يرث صنعة ابيه الراحل .. فتخرج بدبلوم تجاره ( فى بلد زراعى ) و بمستوى تعليم يتيح له القراءه و الكتابه بالكاد .. فصار لزاما عليه ان يبيبع ورشة ابوه و ذهب اختيه و يدفع تكلفة الهجره للبحث عن ( حظ ) افضل .. دون أدنى محاوله لاعادة تشغيل ورشة ابيه الراحل !!!!
و آخر خريج كلية الشريعه و علوم الدين .. و لم يمتلك 20 الف جنيه يدفعهم كرشوه لشيخ الأوقاف ليعينه فى جامع ذو صندوق نذور كبير يتيح له دخل جيد !!!.. لكنه استطاع اقناع اصهاره باقراضه 10 الاف جنيه دفعهم للقرصان ليسافر بحثا عن ( حظ ) افضل 
الأعجب مدرس جغرافيا تخرج من كلية الأداب و استلم وظيفته بالفعل فى مدرسه اعداديه .. قرر ان دخل تدريس الجغرافى للأعدادى لا يكفيه لشراء شقه فى العاصمه .. فباع ما ورثه و اقترض من جيرانه .. و قرر السفر بحثا عن ( حظ ) 
نال اعجابى شاب صريح جدا وواضح جدا .. لم يتم تعليمه و انهى خدمته العسكريه و قام بتزوير جواز سفر باسم مستعار !!!!.. حيث علم من اقربائه أنه حال القبض عليه فى ايطاليا .. بجريمه بسيطه ( جنحه مثلا ) فهو يتم ايداعه فى السجن لفتره من 6 شهور الى سنه .. يتعلم خلالها الأيطاليه و تتكفل الحكومه بايوائه ثم يتم ترحيله بمعرفة السفاره المصريه .. خطته أن يقضى سنه فى سجن ايطالى باسم مستعار .. ثم يعود الى مصر فيستخرج جواز سفر حقيقى و يعيد الكره و هو يجيد الأيطاليه بطلاقه !!! .. اعجبنى تفكيره و خطته البائسه .. لكنها فى النهايه خطه و ليس بحث عن ( حظ ) 
الوحيد الذى تعاطفت ( نسبيا ) معه كان مساعد ميكانيكى ديزل .. تعرض لظلم من امين شرطه استغل قانون الطوارىء و دأب على استدعائه و حبسه احيانا بدون توجيه اتهام ( كما كان يتيح قانون الطوارىء ) طمعا فى الحصول على أتاوه منه عن عمله فى صيانة محركات الديزل فى زمام قسم الشرطه .. العجيب ان المهاجر لم يبلغ النائب العام من قبل و لم يتقدم باى شكوى لأنعدام ثقته فى النظام وقتها .. فقرر بيع معدات عمله و السفر طمعا فى ( حظ ) افضل
فى نهاية المقابلات ايقنت ان القواسم المشتركه بين المسافرين المحبوسين فى ( المخزن ) تتمثل فى :
- ليس بينهم من يملك مهاره مهنيه أو يجيد أى صنعه يمكن الأعتماد عليها فى كسب الدخل 
- مستوى أدراكهم لمخاطر السفر صفر .. وعيهم لا يرى سوى انهار الخمر و العسل على الشاطى الأخر .. و ليس بينهم من يعى أصلا انه فى خطر جسيم حتى لو وصل الى اوروبا و هو بتلك القدرات البائسه 
- ليس بينهم واحد يؤمن بان عليه مسؤوليه تجاه اسره او عائله .. بل الجميع يرى أن عائلاتهم عليها دعمهم فى تكاليف السفر و الأستجابه لمطالبهم فى السعى وراء اوهام الثراء الفاحش !!!
- الجميع يتقبل بلا شكوى فترة حياه بالغة البؤس .. اقسى بكثير من الحياه فى السجن .. لمجرد (الطمع ) فى الحصول على ( حظ ) .. و ليس منهم من يؤمن بقدرة العمل و العرق على تحقيق الأهداف 
- الجميع ( باستثناء البحاره ) تم توجيه مسارهم المهنى الى طريق خاطىء منذ البدايه .. فشاب قوى البنيه سليم الصحه يقوم أهله بتوجيهه لتعليم أزهرى ثم دراسة الشريعه .. بدلا ن تعليمه صناعه او زراعه .. و آخر تربى فى اسرة مزارعين يتم توجيهه ليحصل على ليسانس اداب جغرافيا !!! .. و هلم جرا 
الأزمه كانت بالغة التركيب .. فالمشاكل التى اخبرونى بها تتراوح بين ضغوط اسرهم عليهم لتحديد مسار تعليمى و مهنى بائس من الأساس لا يخولهم أى قدرات عمليه فى مستقبلهم .. و حالة ( كفر ) بالعمل و اكتفاء بالأيمان بالقدريه دون العمل أى التواكل الصرف انتظارا لحظ فى علم الغيب .. ايضا أعدادهم النفسى لقبول مهانه و مذله و خطر و ظروف بالغة القسوه من أجل (حظ ) بدلا من تحمل مصاعب و مخاطر اقل بكثير من تلك ليعملو و ينتجو و يحاولو تحقيق احلامهم دون أنتظار للحظ 
لا اتعاطف مع أيهم .. و لا أرى تبرير لجريمة اصحاب المراكب و قباطنتها .. لكن أرى خللا أجتماعيا ضرب الريف كله مع انهيار مشروع دولة النموذج أبان التجربه الناصريه .. فعبد الناصر كان يعمل ل ( تمدين الريف ) .. لكن بانكسار المشروع .. لم يتمدن الريف لكن .. تريفت المدن .. و صار الكل غريبا على أرضه لا يعلم كيف يستخرج خيراتها كما فعل الأباء و الأجداد .. و بدلا من أن يغير من نفسه ليتعلم كيف يستخرج الخيرات من أرض مصر ( كما فعل المهاجرين السوريون مؤخرا ) قرر أن يغير ( الأرض ) نفسها .. و يستمر بالكفر بالعمل و الأيمان فقط ب( الحظ ) 
قلت ما لدى دون الأخلال بالقسم الغليظ الذى يمنعنى من الأفصاح عن اى تفاصيل
و الله المستعان 

0 Comments:

Post a Comment

<< Home